ابن عجيبة
381
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قيل : أول من أحدث ذلك : جنادة بن عوف الكناني ؛ كان يقوم على جمل في الموسم فينادى : إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه ، ثم ينادى من قابل : إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه ، فتتبعه العرب . ثم حرّموا شهرا آخر مكان المحرم لِيُواطِؤُا ؛ ليوافقوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ، وهي الأربعة الحرم ، فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ عليهم من القتال في الأشهر الحرم ، زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ أي : خذلهم وأضلهم ، والمزين حقيقة : اللّه ، أو الشيطان ؛ حكمة وأدبا . وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ إلى طريق الرشد ، ما داموا على غيهم ، حتى يسلكوا سبيل نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم . الإشارة : إنما تأخير التوبة واليقظة ؛ وترك السير إلى مقام التصفية والترقية ، زيادة في البعد والقسوة ، يضل به الذين هجروا طريق التربية والتصفية ، عن مقام أهل الإحسان والمعرفة ، فتارة يحلون المقام مع النفس الأمارة ، ويقولون : قد انقطعت التربية ، وعدم الطبيب الذي يداويها ويخرجها عن وصفها ، وتارة يحرمون المقام معها والاشتغال بحظوظها وهواها ، ويقولون : البركة لا تنقطع ، والمدد لا ينعدم ، ليوافقوا بين الأمر بمجاهدتها في قوله : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا ، وبين من قال : قد انقطعت التربية ، زين لهم سوء أعمالهم ، واللّه لا يهدى القوم الكافرين إلى السير والوصول إلى ربهم . ثم عاتبهم على التأخر عن الجهاد في غزوة تبوك ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 38 إلى 39 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ( 38 ) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 ) قلت : ( اثاقلتم ) : أصله : تثاقلتم ، أدغمت التاء في الثاء ، وجلبت الهمزة للساكن ، وقرىء على الأصل ، وضمن معنى الإخلاد ، فعدّى بإلى . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؛ للجهاد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، اثَّاقَلْتُمْ أي : تباطأتم وأخلدتم إِلَى الْأَرْضِ كسلا وفشلا ، وكان ذلك في غزوة تبوك ، أمروا بها بعد رجوعهم من الطائف ، في وقت عسر ، وحر ، وبعد الشقة ، وكثرة العدو ، فشق عليهم ذلك ،